ابن كثير
138
البداية والنهاية
المصاحف ، وذكر في حكايته ما يدل أنه كان أولا يسمى كليبا ، ثم سمي الحجاج . وذكر أنه ولد ولا مخرج له حتى فتق له مخرج ، وأنه لم يرتضع أياما حتى سقوه دم جدي ثم دم سالخ ( 1 ) ولطخ وجهه بدمه فارتضع ، وكانت فيه شهامة وحب لسفك الدماء ، لأنه أول ما ارتضع ذلك الدم الذي لطخ به وجهه ، ويقال إنه أمه هي المتمنية لنصر بن حجاج بن علاط ( 2 ) ، وقيل إنها أم أبيه والله أعلم . وكانت فيه شهامة عظيمة ، وفي سيفه رهق ، وكان كثير قتل النفوس التي حرمها الله بأدنى شبهة ، وكان يغضب غضب الملوك ، وكان فيما يزعم يتشبه بزياد بن أبيه ، وكان زياد يتشبه بعمر بن الخطاب فيما يزعم أيضا ، ولا سواء ولا قريب . وقد ذكر ابن عساكر في ترجمة سليم بن عنز التجيبي قاضي مصر ، وكان من كبار التابعين . وكان ممن شهد خطبة عمر بن الخطاب بالجابية ، وكان من الزهادة والعبادة على جانب عظيم ، وكان يختم القرآن في كل ليلة ثلاث ختمات في الصلاة وغيرها . والمقصود أن الحجاج كان مع أبيه بمصر في جامعها فاجتاز بهما سليم بن عنز هذا فنهض إليه أبو الحجاج فسلم عليه ، وقال له : إني ذاهب إلى أمير المؤمنين ، فهل من حاجة لك عنده ؟ قال : نعم ! تسأله أن يعزلني عن القضاء . فقال : سبحان الله ! والله لا أعلم قاضيا اليوم خيرا منك . ثم رجع إلى ابنه الحجاج فقال له ابنه : يا أبة أتقوم إلى رجل من تجيب وأنت ثقفي ؟ فقال له : يا بني والله إني لأحسب أن الناس يرحمون بهذا وأمثاله . فقال : والله ما على أمير المؤمنين أضر من هذا وأمثاله ، فقال : ولم يا بني ؟ قال : لان هذا وأمثاله يجتمع الناس إليهم فيحدثونهم عن سيرة أبي بكر وعمر ، فيحقر الناس سيرة أمير المؤمنين ولا يرونها شيئا عند سيرتهما فيخلعونه ويخرجون عليه ويبغضونه ، ولا يرون طاعته ، والله لو خلص لي من الامر شئ لأضربن عنق هذا وأمثاله . فقال له أبوه : يا بني والله إني لأظن أن الله عز وجل خلقك شقيا . وهذا يدل على أن أباه كان ذا وجاهة عند الخليفة ( 3 ) وأنه كان ذا فراسة صحيحة ، فإنه تفرس في ابنه ما آل إليه أمره بعد ذلك . قالوا : وكان مولد الحجاج في سنة تسع وثلاثين ، وقيل في سنة أربعين ، وقيل في سنة إحدى وأربعين ، ثم نشأ شابا لبيبا فصيحا بليغا حافظا للقرآن ، قال بعض السلف : كان الحجاج يقرأ القرآن كل ليلة ، وقال أبو عمرو بن العلاء : ما رأيت أفصح منه ومن الحسن البصري ، وكان الحسن أفصح منه . وقال الدارقطني : ذكر سليمان بن أبي منيح عن صالح بن سليمان قال قال
--> ( 1 ) السالخ : الأسود الخالص . ( 2 ) كذا في ابن خلكان 2 / 32 وفي كتاب تلقيح فهوم أهل الأثر لابن الجوزي ، ومختصر القصة : أن عمر بن الخطاب طاف ليلة في المدينة فسمع امرأة تنشد في خدرها : هل من سبيل إلى خمر فأشربها * أم من سبيل إلى نصر بن حجاج فأتي عمر بنصر وسيره إلى البصرة . . . ( 3 ) قال في المعارف ص 173 : فأما يوسف ، والد الحجاج - فولى لعبد الملك بعض الولاية وكان معه بعض الألوية يوم قاتل الحنيف بن السجف جيش ابن دلجة .